|
أخطر ما يتعرَّض له اللبنانيّون اليوم، والجنوبيّون خصوصاً، هو أن يقعوا في خداع الاتكال على ثمار التفاهم الذي تعمل طهران على إبرامه مع واشنطن، بعدما دفعوا باهظاً ثمن الاتكال على حرب ستخوضها طهران دفاعاً عنهم ضدّ إسرائيل. بل ربما يكون الثمن أكبر في هذه المرحلة، لأنّ لبنان سيكون في وضعية استفراد أقسى.
تتّجه الأنظار نحو جنيف، المرشحة لاستضافة التوقيع الورقي على الاتفاق الأولي بين واشنطن وطهران، بعد أسبوع، لبدء جولات تفاوضية تمتد 60 يوماً، تتقرَّر فيها الآليات التنفيذية. لكنّ المشهد اللبناني لا يعكس أبداً أجواء التفاؤل الإقليمي. وما تفعله إسرائيل وتعلنه صراحة يؤشر إلى أنّ «فك الارتباط» بين المسارَين الإيراني واللبناني بات واقعاً، وأنّ التفاهمات الكبرى لن تُبدِّل شيئاً في الواقع العسكري جنوباً.
أولى مؤشرات الاستفراد تجلّت في الإرباك الذي ساد المقار الرسمية في بيروت طوال الليلة التي جرى فيها إعلان التفاهم. وتبيَّن أنّ لبنان الرسمي لم يكن على علم بأي من تفاصيل الاتفاق الأميركي - الإيراني، وأنّ بيروت لم تتبلّغ أي شروط أو بنود واضحة سيتضمّنها، بل إنّها لم تعرف شيئاً عن موعد ولادة التفاهم، وتلقّت عبر وسائل الإعلام خبر إعلان رئيس الوزراء الباكستاني عن بعض تلك البنود، مع تلميح إلى أنّ وقف النار يشمل لبنان. لكن كيف؟ وما الضامن؟ وبأي شروط وظروف ومرتكزات؟
هذا الغياب للتنسيق المسبق مع الدولة اللبنانية يثبت أنّ الحراك الديبلوماسي في واشنطن، وعلى رغم من الجهود التي يبذلها السفير الأميركي ميشال عيسى بالتنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لا يزال يتحرَّك في كواليس إقليمية أوسع تتجاوز الإرادة اللبنانية، ما يترك بيروت أمام هواجس حقيقية حول طبيعة الترتيبات الأمنية المقرَّرة، والتي ستُناقش في جولة المفاوضات في 22 من حزيران الجاري.
وسريعاً، جاءت مواقف القيادة السياسية والعسكرية في إسرائيل، لتقطع الطريق أمام أي مراهنة على انعكاس التفاهمات الإقليمية على جبهة الجنوب. والأبرز، إعلان وزير الأمن الإسرائيلي، يسرائيل كاتس، بالتنسيق مع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن عقيدة أمنية واضحة ومستدامة، تقضي ببقاء الجيش الإسرائيلي في «المناطق الأمنية» في لبنان وسوريا وغزة إلى أجل غير مسمّى. وتنطوي هذه العقيدة المبدئية على خطوات عملياتية بالغة الخطورة على الأرض يمكن قراءتها كالآتي:
1 - تعتبر إسرائيل أنّ السيطرة على الأراضي وإنشاء المناطق الأمنية هو الإنجاز الأبرز لحربها الحالية، وهي ترفض بشكل قاطع الانسحاب من لبنان تحت تأثير أي ضغوط دولية قائمة أو مستقبلية.
2 - التمسّك بالمنطقة الأمنية خالية من السكان، وتدمير البنى التحتية كافة، بما يشمل منازل القرى الحدودية «فوق الأرض وتحتها»، باعتبارها كانت «معاقل» عسكرية. وهذا يعني عملياً إلغاء جغرافيا شريط عريض يقع جنوب نهرَي الليطاني والزهراني، بغض النظر عن أي اتفاقات سياسية.
3 - أوضحت إسرائيل هذا الموقف الحاسم للإدارة الأميركية الحالية، سواء عبر قناة الرئيس دونالد ترامب أو من خلال إبلاغ وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث مباشرة. بالتوازي مع رفع نبرة التهديد باتجاه طهران بردّ صاعق وفوري في حال تعرَّضت إسرائيل لأي هجوم (المقصود هو إيران) على خلفية التطوُّرات الميدانية في لبنان.
بناءً على هذه المعطيات المتصلّبة، وفي ضوء استمرار العمليات، خصوصاً على محاور كفرتبنيت وتلة علي الطاهر ومحيط النبطية وصور، يتضح أنّ السيناريو الآتي على لبنان قد يكون الأشدّ قسوة. فبينما يسير الاتفاق الأميركي - الإيراني في مساراته الديبلوماسية الطويلة والممتدة عبر فترات اختبار الآليات (60 يوماً)، تستغل إسرائيل هذا الهامش الزمني لفرض واقع جيو-عسكري لا يمكن التراجع عنه.
يعني هذا أنّ الآتي أعظم، وأنّ إسرائيل ستسعى، في الأيام الفاصلة عن لقاء واشنطن في 22 الجاري، إلى استكمال عمليات التصفية والتدمير في المنطقة الأمنية التي تسيطر عليها. ومع تعطّل ماكينة القرار السياسي اللبناني الداخلي وافتقاد الوفد المفاوض أوراق القوة الميدانية، فإنّ بقاء لبنان مستفرداً خارج مظلة التفاهمات الإقليمية الفعلية يعني أنّ لغة الميدان ستبقى هي السائدة، وأنّ هوامش الدولة اللبنانية تتقلّص إلى حدود الاختناق التام، حيث تصبح الأرض المحتلة والمدمّرة هي نقطة الارتكاز الوحيدة لأي مفاوضات مستقبلية.
طوني عيسى - الجمهورية
|