|
مع بدء العدّ التنازلي لكأس العالم 2026، لا يبدو السؤال في لبنان رياضياً فقط "من سيفوز؟" بل اجتماعياً أيضاً "من يستطيع أن يشاهد؟". فالبطولة التي تنطلق في 11 حزيران وتستمر حتى 19 تموز، بنسخة موسّعة تضم 48 منتخباً و104 مباريات، تصل إلى اللبنانيين هذه المرة وسط أزمة معيشية تجعل كلفة المتابعة جزءاً من همّ يومي لا ترفيهياً فقط.
الإشتراك بـ90 دولارا
في السوق القانونية، حقوق النقل في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مرتبطة بـشبكة "beINSPORTS"، لكن المشكلة في لبنان لا تقف عند الحق القانوني، بل عند الكلفة. فحين يصل الاشتراك إلى نحو 90 دولاراً لمتابعة المونديال، يضاف إليه ثمن الجهاز والتركيب، يصبح الأمر عبئاً حقيقياً على عائلات كثيرة، خصوصاً في بلد لا يزال الحد الأدنى الرسمي للأجور في القطاع الخاص عند 28 مليون ليرة، أي ما يقارب 312 دولاراً شهرياً. من هنا، يتحول المونديال إلى مرآة صغيرة لأزمة أكبر: احتكار قانوني للنقل من جهة، وقدرة شرائية متآكلة من جهة أخرى، وسوق موازية تتحرك حيث تفشل السوق الرسمية في الوصول إلى الناس.
في هذا المشهد، يبرز ملف تلفزيون لبنان كعنوان أساسي. فبحسب مصادر وزارة الاعلام ومعلومات خاصة حصل عليها "لبنان24"، يشرف فريق رئيس الجمهورية جوزاف عون مباشرة على ملف نقل مباريات المونديال مجاناً للبنانيين عبر الشاشة الرسمية، بالتواصل المستمر مع فريق عمل وزارة الإعلام ورئيسة مجلس ادارة تلفزيون لبنان اليسار جعجع .
وتقول مصادر وزارة الإعلام لـ"لبنان24" إن الملف يُعدّ في هذه المرحلة من الملفات الأساسية المطروحة على طاولة المتابعة، باعتباره مرتبطاً بحق عام لا بخدمة تجارية عادية، خاصة وسط الاوضاع التي نشهدها في لبنان، وبالتالي تأمين هذا الحق أقل واجب.
ووفق المعلومات، فإن المفاوضات مع "beIN SPORTS" لا تزال مستمرة، وقد قطعت شوطاً مهماً، لكنها لم تصل بعد إلى اتفاق نهائي.
وتؤكد مصادر "لبنان24" أن رئيس الجمهورية جوزاف عون يتابع تفاصيل هذا الملف شخصيا، وهو على اطلاع دائم على مسار التفاوض، كما يُجري عون اتصالات دولية لتأمين صيغة تسمح بنقل المونديال مجاناً للبنانيين عبر تلفزيون لبنان.
لكن الطريق ليس سهلاً. فالأسعار، بحسب مصادر معنية، مرتفعة بطبيعتها، خصوصاً أن المونديال لم يعد بطولة من 64 مباراة كما في السابق، بل 104 مباريات. لذلك تبحث الجهات اللبنانية في خيارات متعددة، بينها رزم محددة من المباريات، لا بالضرورة الحصول على كامل البطولة. وبحسب المعطيات، لا شيء نهائياً حتى الآن، ولم يُحسم ما إذا كان النقل سيشمل كل المباريات، أو المباريات الأساسية فقط، أو رزمة تجمع الافتتاح، مباريات منتخبات معينة، الأدوار الإقصائية، نصف النهائي والنهائي.
وحسب المصدر، هذه النقطة أساسية في التفاوض. فدور المجموعات لا يحظى دائماً بنسبة المشاهدة نفسها، باستثناء المباريات الكبرى أو المنتخبات الجماهيرية. أما القيمة التجارية الحقيقية فتبدأ بالارتفاع مع الاقتراب من الأدوار الإقصائية. لذلك قد يكون الحل الواقعي، إذا تعذر شراء الحقوق الكاملة، في تأمين باقة ذكية تراعي المصلحة العامة والكلفة، مثل مباريات الافتتاح، المنتخبات العربية، المباريات الجماهيرية، ثم الأدوار الحاسمة. هكذا يمكن للدولة أن تحقق هدفاً اجتماعياً من دون الدخول في كلفة تفوق قدرتها.
أصحاب "الدش" على الخط
من ناحية أخرى، يبرز أصحاب "الدش"، فالمواطن الذي لا يستطيع دفع كلفة الاشتراك كاملة، يبحث عن بديل. بعضه يذهب إلى أصحاب "الدش" الذين لا يزالون يعملون بقوة، ولو خارج الأطر القانونية، ويعرضون الخدمة بأسعار علم "لبنان24" انّها تبدأ من نحو 40 دولاراً وقد ترتفع إلى ما يقارب كلفة الاشتراك الرسمي. لكن الفارق أن صاحب هذه الخدمة لا يُلزم المشترك القديم غالباً بشراء جهاز استقبال جديد، ما يجعل العرض أقل كلفة في نظر كثيرين.
هذه السوق الموازية لا يمكن التعامل معها كتفصيل. فهي ليست فقط مخالفة قانونية، بل نتيجة مباشرة لفجوة بين سعر الخدمة الرسمية وقدرة الناس على الدفع. وكلما ارتفعت الكلفة، اتسعت مساحة القرصنة. وكلما بدا الوصول القانوني إلى المباريات محصوراً بفئة قادرة، انتقل جزء أكبر من الجمهور إلى خيارات غير شرعية، سواء عبر "الدش" أو عبر الإنترنت.
الإنترنت ينقذ أصحاب الدخل القليل
في السنوات الأخيرة، دخل عامل جديد أكثر تعقيداً، "البث المقرصن عبر التطبيقات والمنصات غير القانونية" الموجودة خارج لبنان. لم تعد القرصنة مرتبطة بصورة مشوشة أو بث متقطع كما كان يحصل سابقاً. التطور التقني جعل الوصول إلى بث مباشر بجودة مقبولة أمراً سهلاً لكثيرين، من دون اشتراك رسمي، ومن دون جهاز خاص، ومن دون المرور بالشركات المخولة. وهنا تكمن خطورة الملف بالنسبة إلى الجهات الناقلة، فكلما تعذر الحل الرسمي الواسع، خسر الكل. تخسر الشركة جزءاً من جمهورها، وتخسر الدولة قدرتها على تنظيم السوق، ويتحول الجمهور إلى استخدام غير قانوني بات شبه عادي في الوعي العام.
المقاهي ملجأ للبعض
على خط موازٍ، تستعد المقاهي والمطاعم لموسم خاص. فالمونديال بالنسبة إليها ليس حدثاً رياضياً فقط، بل فرصة تجارية. كثير من هذه المؤسسات يدفع مبالغ مرتفعة للجهات الناقلة للحصول على حق عرض المباريات، ثم يحاول استرداد جزء من الكلفة عبر رفع الفواتير أو فرض بدل مشاهدة منفصل خلال المباريات الكبيرة.
عملياً، يصبح الزبون أمام خيار آخر: لا يدفع اشتراكاً منزلياً كاملاً، لكنه يدفع بدل حضور عند كل مباراة مهمة. وبالنسبة إلى كثير من اللبنانيين، ستكون المقاهي خياراً للمباريات الكبرى فقط، لا لكل البطولة، خصوصاً في الأدوار الإقصائية أو مباريات المنتخبات العربية والمنتخبات المرشحة.
أهمية نقل المونديال عبر تلفزيون لبنان لا تتعلق فقط بتوفير 90 دولاراً على العائلة. المسألة أوسع. ففي بلد انهكته الأزمات، يصبح الحدث العالمي مساحة مشتركة نادرة. مشاهدة المونديال مجاناً عبر الشاشة الرسمية تعيد إلى التلفزيون العام دوراً فقده منذ سنوات: أن يكون منصة جامعة، لا محطة هامشية. كما أنها تخفف الضغط عن الأسر، وتحدّ جزئياً من القرصنة، وتمنح الدولة فرصة لتقديم خدمة عامة ملموسة يشعر بها المواطن مباشرة.
في المقابل، نجاح الاتفاق يحتاج إلى مقاربة واقعية. فالشركة الناقلة لن تتخلى بسهولة عن حقوق ذات قيمة تجارية عالية، والدولة اللبنانية لا تملك ترف الإنفاق المفتوح. لذلك قد تكون الصيغة الأنسب قائمة على شراكة متعددة الأطراف: مساهمة رسمية، دعم إعلاني من القطاع الخاص، ورزمة مباريات محددة تراعي أعلى نسب المشاهدة. هذا النموذج قد يحفظ حقوق الجهة المالكة، ويمنح تلفزيون لبنان حقاً واضحاً ومحدداً، ويؤمن للمواطنين الحد الأدنى من المتابعة المجانية.
عملياً، نحن أمام سباق مع الوقت. كلما تأخر الحسم، زادت الفوضى في السوق تتلخص بعروض غير شرعية، اشتراكات موازية، تطبيقات مقرصنة، ومقاهٍ تستعد لتسعير المشاهدة على طريقتها، إلا إذا نجح تلفزيون لبنان في الحصول على حقوق النقل، ولو جزئياً.
بالتالي، هل يبقى الحدث العالمي محصوراً بمن يستطيع الدفع، أم يعود إلى الشاشة الوطنية ليشاهده الجميع؟
|