عودة: لا يمكن أن تبقى الدولة مشروعا مؤجلا إلى حين تصفية كل النزاعات والحروب
|
368 Views
|
01:03
| 13-09-2026
|
ترأس متروبوليت بيروت وتوابعها للروم الأرثوذكس المطران الياس عودة خدمة القداس في كاتدرائية القديس جاورجيوس. بعد قراءة الإنجيل ألقى عظة قال فيها: "الصليب بالنسبة للمسيحي ليس علامة ألم بل علامة محبة. سمعنا في إنجيل اليوم «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد». هذه هي الحقيقة التي ندركها عندما نعاين الصليب. فالله قد أحبنا، والصليب هو الطريقة التي أظهر بها محبته لنا. لم يحبنا من بعيد، ولم يقف متفرجا على آلامنا، بل اقترب من الإنسان واتخذ جسده، ودخل في ضعفه وألمه وموته لكي يفتح لنا من قلب الموت طريق الحياة. لذلك، حين ننظر إلى الصليب، ينبغي ألا نرى فقط الألم الذي تحمله المسيح من أجلنا، بل أن نسمع دعوته لنا كي نأتي إليه ونحمل صليبنا معه. لم يخلصنا المسيح من الصليب بإلغاء الألم من حياتنا، بل خلصنا بحضوره معنا في الألم، وجعل الصليب طريقا يقود إلى القيامة. هذا ما فهمه الرسول بولس عندما قال: «أما أنا فحاشى لي أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح». نحن نفتخر بالصليب لأن فيه سر المحبة. الصليب ليس عبءا عندما يكون من أجل المحبة، وليس ضعفا عندما يكون من أجل الحق، وليس نهاية عندما يكون المسيح هو رفيق الطريق المؤدي إلى الملكوت. لذا يقول الرسول بولس أيضا: «الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات» (غلا5: 24). فالصليب الذي نحمله ليس فقط ظروفا صعبة تواجهنا، بل هو أيضا ما ينبغي أن نميته في داخلنا. قد يكون صليبنا أن نتعلم الغفران، وأن نتخلى عن حقد حملناه طويلا. وقد يكون أن نقبل ألا تكون كلمتنا هي المسموعة، أو أن نتنازل عن كبريائنا، وأن نمد يدنا إلى من أساء إلينا، أو إلى من يحتاج إلينا، بدلا من الإنغلاق على أنفسنا والتفكير بمصالحنا فقط".
أضاف: "نحن نعيش في زمن يريد فيه الإنسان الهروب من كل ألم، باحثا عن الراحة والنجاح والرفاهية. الإنجيل يذكرنا بأن الإنسان لا ينضج عندما يهرب من الصليب، بل عندما يتعلم حمل ما لا يستطيع تغييره من دون أن يفقد إيمانه، وأن يحول ما يؤلمه إلى فرصة للمحبة. ليس المطلوب أن نحب الألم، ولا أن نقبل الظلم، ولا أن نستسلم أمام الشر. المطلوب ألا يجعلنا الألم أقل محبة ورحمة ورجاء. هذا الكلام يلامس حياة كل لبناني. فقد ثقل صليب هذا البلد، وطال معه تعب أبنائه. كثيرون يحملون في بيوتهم قلقا لا يقال، وفي قلوبهم خوفا من الغد، وفي حياتهم أثقالا لم يختاروها. هناك من يقاسي ويلات الحرب، ومن خسر أمواله أو بيته، ومن يتعب ليؤمن عيش عائلته، ومن ينتظر إبنا أو بنتا غادرا بحثا عن مستقبل آمن، ومن فقد القدرة على الحلم، ومن يسأل في صلاته: يا رب، إلى متى؟ نحن لا نملك جوابا عن هذا السؤال. الكنيسة لا تقول لنا أن الصليب صغير، أو أن الألم لا يؤلم. الإنجيل لا ينكر وجع الإنسان. المسيح نفسه بكى على صديقه لعازر، وتألم وصرخ على الصليب، لكن الكنيسة تقول لنا أننا لا نحمل هذا الصليب وحدنا وأن الله يرى".
وتابع: "إذا كان لبنان يحمل صليبا طال أمده، فلنحرص ألا يتحول هذا الصليب إلى قسوة فينا ويأس. لا نسمحن للفقر بأن يجعلنا أنانيين، ولا للخوف بأن يجعلنا حاقدين، نكره بعضنا بعضا، ولا للخيبة بأن تقتل الرجاء فينا، ولا لطول الأزمة بأن يجعلنا نعتاد وجع الآخر وكأنه لا يعنينا. لنجعل صليبنا مناسبة لنكتشف بعضنا من جديد، أي أن يحمل القوي الضعيف، وأن يساند القادر المحتاج، وأن يواسي الصحيح المتألم، وأن نحفظ لبعضنا البعض كرامة الإنسان. هذا الكلام موجه خصوصا إلى المتحكمين بالأسعار في هذا البلد. المواطن لم يعد قادرا على تأمين حياة كريمة بسبب ضيق الحال والغلاء الفاحش. الحجة غلاء أسعار المحروقات، لكنها في الحقيقة الجشع وعدم محبة الآخر، إذ يهتم الإنسان لمصلحته لا لمأساة أخيه. هذا الأمر يتطلب تدخلا سريعا، لا بل عاجلا، من المسؤولين لردع كل متلاعب جشع، ولتخفيف ألم المواطن لا إرهاقه بمزيد من الضرائب والرسوم. لطالما دعونا اللبنانيين إلى الإنضواء تحت كنف الدولة وتسليمها كل أمورهم لتكون وحدها المرجع المسؤول، لكن على الدولة أن تشعر المواطن أنها تعمل بجدية ودراية على حل مشاكلها ومشاكل المواطنين. لا يمكن أن تبقى الدولة مشروعا مؤجلا إلى حين تصفية كل النزاعات والحروب. الحكم رؤية وتخطيط وقرار وتنفيذ. القرارات وحدها لا تكفي. المطلوب عمل دؤوب بعد اتخاذ القرارات، ونية على تطبيقها، بالإضافة إلى إصلاحات جذرية وابتكار الحلول للمشكلات العالقة، التي تنعكس سلبيا على حياة المواطنين".
وقال: "لا يقول لنا المسيح أن طريقنا بلا صليب، بل أنه معنا على الطريق. الصليب الذي نحمله وحدنا قد يسحقنا، أما الصليب الذي نحمله مع المسيح فمرحلة نحو الخلاص. وبما أن كل إنسان هو على صورة المسيح، فعليه أن يساعد أخاه الإنسان في حمل صليبه. هذا قد لا يزيل الألم، لكنه يمنحه معنى، وقد لا يختصر الإنتظار لكنه يحفظ فينا الرجاء، وقد لا يغير الظروف فورا لكنه يغير القلب الذي يعيش وسط الصعاب. فلنأت إذا إلى المسيح بصليبنا ولنضع أمامه تعبنا وخوفنا ومصيرنا وعائلاتنا ووطننا وكل ما لم نعد نعرف كيف نحمله، ولنسمح له بأن يحمل معنا ما عجزنا عن حمله وحدنا. ولنتذكر دائما كلمة الإنجيل: «هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية». فإذا كان الصليب قد بدأ بالمحبة، فلا نستطيع أن نحمله إلا بالمحبة، وإذا كان المسيح قد حول الصليب إلى طريق للقيامة، فلنؤمن بأن صلباننا أيضا ليست المحطة الأخيرة في حياتنا".
وختم: "لذلك، مهما طال زمن الصليب لا نفقدن الرجاء، أو نترك يد المسيح. ومهما طال ليل لبنان، لنثابر على الصلاة والعمل والمحبة، لأننا نؤمن بإله دخل الموت ليهبنا الحياة، وبمسيح صلب وقام غالبا الموت".
يلفت موقع "اخر الاخبار" انه غير مسؤول عن النص ومضمونه، وهو لا يعبّر إلا عن وجهة نظر كاتبه أو مصدره