القوات اللبنانية:
فالمشهد هناك لم يعد مجرد منافسة تقليدية، بل تحوّل إلى صراع أجيال صامت تقوده القواعد الشبابية التي تمثّل عصب الحزب وباتت تميل نحو خيارات جديدة. ويطرح اسم زياد فريد حبيب كوجه يجسد "النفس الجديد" المطلوب.
وتشير المعلومات إلى أن تراجع أسهم النائب فادي كرم لم يكن وليد صدفة، بل نتيجة "قشة قصمت ظهر البعير" في الكواليس التنظيمية. فقد نجح "دينامو" حزبي في بناء لوبي ضاغط انطلق من خلافات بلدية حادة، وتحديداً في بلدة داربعشتار، احتجاجاً على إصرار كرم على ترشيح شخصيات تقليدية، ما خلق فجوة عميقة مع الجيل الشاب الطامح للتغيير.
هذا "التحريض المدروس" أدّى إلى إزاحة كرم، وجاء كرسالة واضحة بأن العصب القوّاتي الشاب لم يعد يقبل بالولاء المطلق للأسماء، بل يفرض إيقاعه لتجديد الدماء الحزبية، ما يضطر القيادة إلى ممارسة "ديمقراطية قاسية" نزولاً عند رغبة القواعد لضمان الإستقرار التنظيمي.
من جهته، يتّجه حزب "الكتائب" نحو التحالف مع "القوات اللبنانية" في دائرة الشمال الثالثة، في خطوة تفرضها "الواقعية السياسية". وعلى الرغم من تسويقه كجبهة سيادية عريضة، تفتقر كواليس هذا التحالف إلى التناغم السياسي الشامل، إذ تحكمه لغة الأرقام والحسابات الباردة أكثر من الرؤى المشتركة، وسط تحديات تواجهها الكتائب للحفاظ على خصوصيتها أمام شروط معراب القاسية.
في المقابل، سقطت رهانات التقارب بين الكتائب والنائب ويليام طوق، الذي حسم خياره بالتحالف مع "تيار المردة"، وهذا ما رسم خريطة انتخابية قائمة على الاصطفافات التقليدية.
وسط ضجيج التحالفات الكبرى واصطفافات "المصالح" التقليدية، لا يزال المشهد الإنتخابي يفسح مجالاً لـ "أحلام تغييرية" تحاول التغريد خارج السرب. تبحث لائحة "نبض الأرض"، التي خرجت من رحم "شمالنا"، عن موطئ قدم في غابة الحسابات الحزبية المعقدة. لكنها تصطدم بجدار الواقع، إذ تجد نفسها أمام مهمّة شاقّة لتشكيل لائحة مكتملة تفرض حضورها في أقضية الشمال الثلاثة. وحتى الساعة، لم تتبلور ملامح اللائحة التي ستجمع وجوهاً من زغرتا (شهيد نكد أو فادي جلوان)، والبترون (ليال بو موسى)، والكورة (ديانا عبد الله أو سيمون بشواتي)، فيما تبقى العقدة في تشكيلة قضاء بشري، الذي يبحث ناشطوه عن مرشح يسدّ الفراغ بعد انسحاب الناشط سمير غصن.
وبنبرة لا تخلو من المرارة، يشير مصدر مشارك في الإجتماعات، إلى أن عامل الوقت بات العدوّ الأوّل، خصوصاً في ظل غياب الدعم المادي، وانقسام الصفّ الذي خلّفته التجربة "المهتزة" للنواب التغييريين في البرلمان الحالي. وأمام هذه التحديات الجسيمة، يلفت المصدر نفسه، إلى أن الخيار المطروح قد يتّجه نحو "الإقتراع بالورقة البيضاء"، ليس كفعل استسلام، بل كصرخة رمزية لتثبيت الوجود وتأسيس "نواة صلبة" لاستحقاقات مقبلة، بعيداً عن بازار المقايضات.، فيما مصدر تغييريّ يجزم: "لقد فشلنا في تكوين قاعدة قوية أو حزب متماسك بتوجهاته بسبب تمسّك كل طرف بمجموعته الضيقة ووضع مصالحه الخاصة قبل الجماعة، وأظن أن الانتخابات ستكون محرقة للمتسلّقين".
مخاوف من فخّ اللّائحتين
في كواليس "القوات اللبنانية"، يُطبخ خيار انتخابي جريء يتجاوز الحسابات التقليدية، إذ ستخوض معراب غمار الإستحقاق بلائحتين بدلاً من واحدة في دائرة الشمال الثالثة. الهدف هو "الإجتياح الرقمي" لرفع عدد الحواصل إلى خمسة، والعين على مقعد في زغرتا.
هذا السيناريو يضع الحلفاء "المفترضين" على فوهة القلق، فهم يخشون التذويب ومن أن تبتلع ماكينة القوات -التي تتقن بدقة متناهية لعبة توزيع الأصوات التفضيلية- أصوات مناصريهم، لتصبّ في نهاية المطاف في مصلحة مرشحي القوات "الأصيلين".
وتتجّه "القوات اللبنانيّة" نحو ترشيح المستشار في الشؤون الاستراتيجيّة والسياسيّة رينيه منسى عن المقعد الماروني في دائرة زغرتا. ويطرح اسم النائب ميشال الدويهي على اللائحة الأساسية أيضاً.
أما المردة فثابتة بعناوينها الكبيرة وتحالفاتها، ولا يبدو أن التقارب في الانتخابات البلدية مع التيار الوطني الحر سيستمرّ في النيابية، أقلّه ليس في الواجهة، في وقت تشير المعلومات إلى أن المفاوضات بين النائب ميشال معوض وبعض تغييريي "شمالنا" (رياض طوق، جيهاد فرح وجيستال سمعان) وصلت إلى المربع الأخير، لكن تبقى خياراته في البترون غير محسومة، ويتخبّط بين سامر سعادة وهلا نزار يونس. ويبدو مجد حرب أقرب إلى القوات اللبنانية اذ يفاوض على 5000 صوتاً يمكن الإستفادة منها في محاولة إسقاط جبران باسيل.
حاصل ثانٍ للتيار
على جبهة "التيار الوطني الحر"، تبدو الملامح أكثر وضوحاً في زغرتا مع حسم خيار ترشيح عبد الله بو عبد الله، في وقتٍ لا تزال فيه بورصة الأسماء في الأقضية الأخرى رهن المشاورات بين القيادة والقواعد الحزبية. ويتّجه رئيس التيار جبران باسيل إلى حسم أمره بالترشّح، اذ ينطلق من أرضية صلبة تضمن مقعده، بحسب مصدر عوني. لكن، حتى الساعة يبدو التيار وحيداً، والمعطيات تشير إلى حركة لقاءات لهندسة تحالفات أو ترشيح شخصيات مؤثّرة تهدف إلى كسر الجمود الرقمي وانتزاع حاصلٍ ثانٍ .
أما على ضفة الحزب السوري القومي الاجتماعي، فيبدو الصوت مشتّتاً بين خيارين: سليم سعادة وحسان صقر. هذا الانقسام في البيت القومي الواحد بات يشكّل "هدية مجانية" ستريح الخصوم كثيراً في الكورة، وتُضعف القدرة التنافسية للحزب وحلفائه. وفي محاولة لترتيب الأجواء، تجري اتصالات مكثفة "للملمة الصفوف" تفادياً لضياع الصوت القومي في صناديق الاقتراع. لكن يقول مصدر قومي إن إقناع أحد المرشحين بالتنازل للآخر أو بالتوافق صعب بغياب دور "مايسترو" الانتخابات الماضية وضابط إيقاع الحزب القومي.